طه عبد الرحمن

56

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

التكاملية ، فحيثما وجد هذا المعقول التكاملي ، فثمة أمر لا نهاية له . * أن الشعائر الدينية ، لمّا كانت معقوليتها تكاملية بوجه لا يشاركها فيه غيرها ، كانت أقرب وأهدى طريق للوصول إلى إدراك اللامتناهي ، وكيف لا ومنزّل هذه الشعائر هو الكائن الذي لا تتناهى كمالاته ، بل لا تتناهى لا تناهياته ! وعلى هذا ، فإن إدراك اللامتناهي في الشعائر بفضل دوام العمل بها هو إدراك لمشرّعها الذي لا حد لعدم محدوديته . * أنه لا ترتيب أقرب إلى حقيقة الأخلاق من أن يكون على وفق المعقوليتين المذكورتين : " المعقولية السطحية " و " المعقولية العمقية " ، فيكون هناك ضربان من الأخلاق ، " أخلاق السطح " و " أخلاق العمق " ، فأخلاق السطح هو ما انحصر من الأفعال في التعلق بالمتناهي ، بينما أخلاق العمق هو ما ارتقى من الأفعال إلى طلب اللامتناهي ، إلا أن الفصل بينهما ليس هوة لا تتخطى ، بل قد يتخطاها من ركب شعيرة من الشعائر الإلهية ، فتعرج به من وضع له نهاية إلى أفق ليست له نهاية ، وهيهات أن يتخطاها الإنسان بشعائر يضعها من عنده ، لأن المتناهي لا يأتي منه إلا المتناهي ! وحاصل الكلام في هذا الفصل الأول أن الأخلاقيين من فلاسفة الغرب اتخذوا من الصلة بين الأخلاق والدين ثلاثة مواقف متباينة ؛ ففرقة أولى ترى أن الأخلاق تابعة للدين وفرقة ثانية ترى أن الدين تابع للأخلاق وفرقة ثالثة ترى أنه لا واحد من الطرفين تابع للآخر ؛ وقد وضحنا كيف أن الفرقة الأولى تستند في إثبات اختيارها إلى تقدّم المبدأين التاليين على غيرهما ، وهما : " الإيمان بالإله " و " إرادة الإله " ، ثم كيف أن الفرقة الثانية تأخذ في إثبات اختيارها بمبدإ " كانط " في الإرادة الخيّرة ، وأخيرا كيف أن الفرقة الثالثة تأخذ في إثبات اختيارها بمبدإ " هيوم " في أنه " لا وجوب من الوجود " . وقد أوردنا على الرأي الثاني الذي يقول بتفرع الدين على الأخلاق انتقادين أساسيين : أحدهما ، أنه يستبدل مقولات أخلاقية علمانية مكان المقولات الأخلاقية الديانية ؛ والثاني ، أنه يقيس الأحكام الأخلاقية العلمانية على الأحكام الأخلاقية الديانية ، مما يجعل من هذا الرأي الثاني عبارة عن ترجمة علمانية للرأي الأول الذي يقول بتفرع الأخلاق عن الدين ؛ كما أوردنا على الرأي الثالث الذي يقول بانفصال الأخلاق عن الدين انتقادين أساسيين ؛ أحدهما ، أنه يعامل الشريعة الدينية معاملة النظرية العلمية ، في حين أنه ينبغي أن تعامل بوصفها مؤسّسة ، لا نظرية ، وكل